البغدادي

33

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

اعجبوا لتلك الفعلة قضيّة . وقضيّة هنا بمعنى مقضيّة . وروى : « عجبا » بالنصب على أنه مصدر نائب عن أعجب . واعلم أن الشارح المحقّق حقّق هنا أن المصدر المنصوب بعد حذف عامله يفيد الدوام ، وإذا رفع وجعل خبرا أفاد زيادة وهي المبالغة في الدوام . وهذا مناقض لكلامه في باب المبتدأ في « سلام عليك » من أن النصب بعد حذف الفعل يدلّ على الحدوث ، فعدل إلى الرفع للدلالة على الدوام ! قال الدماميني في « شرح التسهيل » : « الحق ما قاله الرضي في باب المفعول المطلق ، بخلاف ما قاله في المبتدأ فإنّه غير مرضي » . أقول : لو عكس القضيّة لكان أظهر ، فإنه مع النصب الصّريح كيف يفيد الدوام ، مع أن الجملة فعليّة ، والتزام الحذف لا ينافيه ، كما في الظرفية الواقعة خبرا إذا قدّر المتعلّق فعلا مع أن الجملة اسمية ، ومع هذا فلم يجعلوها للدوام الثبوتي ! فإن ادّعى أنّ العامل مضارع أو اسم فاعل ، وأن كلّا منهما محمول على الاستمرار التجدّديّ لا الدّوامي ؛ ورد عليه أن هذا يحصل مع الذكر ، فتخصيص الحذف به مما لا داعية إليه ، مع أن هذا ليس مرادا له ، بل مراده حصول الاستمرار الثبوتي مع النصب . وكلام الشارح هنا مخالف لكلام علماء المعاني ، قال السيد في شرح « المفتاح » : إن الاسم كعالم مثلا يدلّ على ثبوت العلم لمن حكم به عليه ، وليس فيه تعرّض لاقترانه بزمان وحدوثه فيه ولا لدوامه . نعم لما كان اسم الفاعل جاريا على الفعل جاز أن يقصد به الحدوث بمعونة القرائن كما في ضائق ، ويجوز أن يقصد به الدوام أيضا في مقام المدح والمبالغة ، وكذا حكم اسم المفعول ، وأما الصفة المشبّهة فلا يقصد بها إلّا مجرّد الثبوت وضعا ، أو الدوام باقتضاء المقام . والجملة الاسمية إذا كان خبرها اسما فقد يقصد بها الدوام والاستمرار الثبوتي بمعونة القرائن ؛ وإذا كان خبرها مضارعا فقد يفيد استمرارا تجدّديا ، وهذه الإفادة أيضا بمعونة القرائن كما في « 1 » : « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » لكن هذا الاستمرار التجدّدي مستفاد من المضارع في الحقيقة ، وفائدة الجملة الإسمية هاهنا تقوي الحكم ، فليس كل جملة اسمية مفيدة للدوام ، فإنّ قولك : زيد قام ، يفيد تجدّد القيام » ا . ه .

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 15 .